|
ما اقسي هذه الليلة
.....إنها احدي ليالي هذا الشتاء الطويل... ولم
يكن العالم خارج غرفة مكتبي أحسن حالا من الداخل
ففي الخارج يسيطر الشتاء علي الإنحاء ويزيد من
وحشة الظلام. وهاهو ذا
يحذرنا ويتوعدنا من الخروج
بقرعه الأبواب برياحه العاتية . في استعراض قوة
لحكمه الدكتاتوري الذي غزا به البلاد من أبوابها
الشمالية.وكأنه يستفزنا للخروج فعلا .... نحن نعلم
بعجزنا أمامه.... لذا نسايره بسياسة الصبر والتصبر
إلي حين دورة الانتخاب القادمة والتي ستكون لفصل
الصيف كلمته الفاصلة والقاطعة. فحاولت استغلال
الوقت وكسب ليل الشتاء الطويل لأتم كتابة فصول
احدي رواياتي .وفجأة يأبي القلم (الناشف)ان يتم
معي السهر.. فلقد أصيبت دمائه الزرقاء بتجلط
الشتاء .فنفخت فيه من أنفاسي ودفعت به بين كفي
ودلكته في محاوله يأسه لإنعاشه .لكنها محاوله بات
بالفشل الذر يع. ففتحت درج المكتب وقذفت به(القلم
)في هذه المقبرة التي تحوي العديد من أبناء عمومته
الذين أصابهم تجلط الشتاء لعلهم حين يحل الربيع
يبعثون .فأخذت أبدد الوقت الطويل بفرقعة أصابعي
الباردة خشيت ان ينالها ما نال الأقلام البائسة.
ثم أخذت أتأمل أصابع كفي ابسطها تارة وأمدها
تارة...... ثم جعلت الإصبع الإبهام يمسح بحنان علي
الأصابع البارة حتى نالها الدفء فأصابتني
دهشة.....!!! لطالما شعرت ان كفي تريد ان تقول لي
شيئا ....!!!فحاولت ان أصغي لما تقوله بلغة
التخاطب الوحيدة بيننا وهي لغة الحياة .ثم أخذت
احدث نفسي :هه ....غريب كيف لم انتبه لهذا من قبل
؟؟؟!!يا الهي ....كيف
لم اعلم ان الإبهام صورة مصغرة عن الأم وما
الأربعة الباقين سوي صغارها .....!!!!؟هه...كنت
دوما أتسال لما الإصبع الإبهام يتميز بالطول
والقصر في الوقت ذاته ..!!!؟؟أتكون مصارعة الحياة
_بعد وفاة الزوج )وتربيت الأولاد أقصت الأم(
الإبهام )إلي هذا الموقع المتقدم المتأخر
.......!!ثم أخذت ارقب عن كثب حركة الأم( الإبهام
)المتحركة والمتحررة أكثر من بقية فهي لوحدها تحلق
حولهم وتدفع عنهم وكأنها تميط عنهم الأذى . وكذلك
تملك(الإبهام ) حركة الاحتضان الحانية لبقية
الأصابع(أو الأبناء ) في حين تعجز الأصابع الأخرى
عن احتضان الأم( الإبهام )إلا إذا كانت مجتمعة .هه...ربما
يكون هذا سبب العقوق الذي يشكو منه الإباء اليوم
فالبر والحنان الذي زرعوه في أبنائهم لن ينالوه من
أبنائهم إلا باجتماعهم .ثم أخذت أحاول تحسس شعور
الأم تجاه ابنها القريب منها (السبابة )فشعرت ان
قلبي يتفطر عليه وعليها... مسكين فهو لم يدنو منها
إلا لحاجته ألماسه لرعايتها وذلك عائد لمرضه فرغم
انه الابن البكر إلا ان المرض جعل حجمه يقصر ويصغر
عن إخوته. ثم أخذت أتأمل إلي الأخ الأكبر المتوسط
بين إخوته والذي لا يحرك ساكنا . ولماذا هو لا
يساعد ويساند والدته ؟؟؟!!!هل مشاغل الحياة
ومصاعبها حولت قلبه لحجر لا يرحم .ولكن عندما دفعت
به(الإصبع الأوسط) نحو والدته(الإبهام ) وجعلتها
تمسح بحنان علي رأسه صعقت لما رأيت ....فلقد راية
انكسار وعجز الشقيقة الكبرى في أحضان والدتها بعد
ان ثقل كاهلها الغض في تحمل مسؤولية والدتها
وإخوتها الصغار .نعم هي الابنة الكبرى فهي الأكثر
شبها لامها .ولم تتوسط الإخوة إلا لتعزز دور
والدتها وتسد الفراغ الذي أوجده اعتناء الأم
بالشقيق المريض. فهي تمد لهم عطفا مستمدا من
والدتها والذي لا تملك لهم سواه .ثم أطلقت بصري
نحو الأخ الذي يلي شقيقته الكبرى. آه.. ..هذا الأخ
الهادي ليت البقية مثله فهو استمد من أخته الكبرى
الهدوء فهو يرقب وضع أسرته ألبأسه بحسرة وعجز رغم
انه الصبي الوحيد في الأسرة . هو يعلم انه يستطيع
ان يفعل الكثير لو سمح له و سمع له ولكن تضل
أفعاله وردود أفعاله لا يؤخذ بها خاصة بوجود من هو
اكبر منه . وبحكم ان الذي يله الأصغر حتم عليه ان
يكون أمامه أكثر نضجا .لذا نراه دوما مضطربا
.فموقعه في الأسرة يحكم تصرفاته ولان....... لم
يبقي سوي هذا الصغير..... فأخذت ارقب كيف الأم
تمسح علي رؤوس أبنائها بشفقه حتى هذا الصغير ناله
من عطفها الكثير . والذي أثار دهشتي هي قبضة الأم
(الإبهام)علي صغارها فهي عندما تخاف وتقبض عليهم
يطول مقامها القصير ليصل إلي الابن الأصغر وتشد
عليه بقوة .أتراه .....لأنه جمع علي قلبها العلتين
....علت الصغر.... والبعد ....نعم هذا هو حال
نسائنا العربيات اليوم .فالفتاة العربية عندما
تبلغ سن الرشد تغلق جميع أبواب الأحلام في وجها
إلا باب الزواج . ويرسم الزوج لها في مخيلتها
الغضة بأنه الحل الأمثل والخلاص من كل كدر وأنها
بدونه ستكون في شقاء .وبعد الزواج يصير هذا الزوج
هو كوكبها الذي تتمحور شؤون حياتها اليومية في
فلكه. فتقتل في نفسها مواهب وملكات قد وهبها الله
لها فتترك دراستها وتخصصها الذي لو أتمت المشوار
فيه مع الزواج كانت قد ساهمت بالرقي بنفسها عن
مسالة الناس مستقبلا ,ودفعت بعجلة التنمية
النسائية التي لا غني عنها في المجتمع .ولكن لن
تكتشف حقيقة وضعها إلا إذا طلقها زوجها او أصابه
نائبة من النوائب .لتكتشف ان السقف الذهبي الذي
طالما قيل لها منذ نعومة أظافرها بأنه سيدوم تبخر
مع أول يوم تشرق فيه الشمس علي ذهاب الزوج. لتجد
نفسها في عز شبابها بلا سقف يحميها وصغارها من
هبوب الرياح التي تتخطفهم ليلا مساء .وخاصة بعد أن
بتعد الأقارب وتحججوا بهمومهم وأولادهم فحينها
يكون لها الخلاص في أمرين إما ان تبحث عن شهادتها
المغبرة في احدي دواليب الماضي القريب و تبحث عن
عمل لتبني سقفا لبيتها ولو كان من ورق. فإن لم تجد
أي شهادة او حرفة يدوي اكتسبتها من أمها او جدتها
فسوف تجد نفسها لا محال أمام أبواب الجوامع تسال
الناس رقعة من الصدقات لعلها تغطي بها سقف بيتها
المكسور. أنا لست ضد الزواج ولكن..........أؤمن أن
الزواج جناح والعمل جناح آخر لاغني للمرأة
العربية عنهما. |